فخر الدين الرازي
93
شرح عيون الحكمة
التفسير : حاصل هذا الكلام : أنه ادعى أن الممكن لذاته لا بد له من سبب ، ولم يزد على هذا القدر البتة . فلنبين أن الكلام الذي ذكره لا فائدة فيه البتة : أما قوله : كل ممكن الوجود لذاته اما أن يكون وجوده عن ذاته ، أو عن غيره ، أو لا عن ذاته ، ولا عن غيره . فنقول : هذا التقسيم غير صحيح . لأن ممكن الوجود مفسر بأنه الذي لا يكون وجوده من ذاته . وعلى هذا يكون قوله : ممكن الوجود بذاته ، اما أن يكون وجوده من ذاته ، أو من غيره جاريا مجرى قول من يقول : الذي لا يكون وجوده من ذاته اما أن يكون وجوده من ذاته أو من غيره . ومعلوم أن هذا الكلام سفه باطل . بل الواجب أن يقال : ممكن الوجود هو الذي لا يكون وجوده من ذاته ، وكل ما لا يكون وجوده من ذاته ، اما أن يكون وجوده من غيره أو لا يكون من غيره . فإن كان وجوده من غيره فهو المطلوب . وان كان لا من ذاته ولا من غيره ، ف « الشيخ » لم يذكر في ابطال هذا القسم الا قوله : وما ليس له وجود لا عن ذاته ولا عن غيره فليس له وجود . ومعلوم أن هذا ليس دليلا على ابطال هذا القسم ، بل هو إعادة لعين الدعوى ، فلا يكون في ذكره فائدة البتة . فقد ظهر أنه لم يذكر في هذا الفصل الا مجرد الفتوة بأن الممكن لذاته ، لا بد له من مؤثر . فإذا كان حاصل الكلام هذا القدر ، فما الفائدة في ذكر تلك التقسيمات الكثيرة ، والترديدات الطويلة ، لا سيما في مثل هذا الكتاب الصغير ؟ واعلم : أن جمهور العقلاء اتفقوا على أن الممكن لا بد له من مرجح ، ثم اختلفوا فمنهم من قال العلم بافتقار الممكن إلى المرجح علم بديهي ، ومنهم من قال : انه علم استدلالي . أما الأولون فقالوا : انا متى استحضرنا في عقولنا : أن الوجود والعدم بالنسبة إلى الماهية . سببان تضيء العقل بأنه لا رجحان لأحدهما على الآخر الا بسبب منفصل . وأما القائلون بأنه